الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

168

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وهو القيام من القبور إلى الحشر ، والأعجب من ذلك أن البعض أخذ هذه الآية دليلا على أن حشر يوم القيامة يقع في أرض الشام التي ابعد اليهود إليها ، وهذه الاحتمالات الضعيفة ربما كان منشؤها من وجود كلمة " الحشر " ، في حين أن هذه الكلمة لم تكن تستعمل هذا بمعنى الحشر في القيامة ، بل تطلق على كل اجتماع وخروج إلى ميدان ما ، قال تعالى : وحشر لسليمان جنود من الجن والإنس والطير ( 1 ) . وكذلك ما ورد في الاجتماع العظيم لمشاهدة المحاججة التي خاضها موسى ( عليه السلام ) مع سحرة فرعون حيث يقول سبحانه : وأن يحشر الناس ضحى ( 2 ) . ويضيف البارئ عز وجل : ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله لقد كانوا مغرورين وراضين عن أنفسهم إلى حد أنهم اعتمدوا على حصونهم المنيعة ، وقدرتهم المادية الظاهرية . إن التعبير الذي ورد في الآية يوضح لنا أن يهود بني النضير كانوا يتمتعون بإمكانات واسعة وتجهيزات وعدد كثيرة في المدينة ، بحيث أنهم لم يصدقوا أنهم سيغلبون بهذه السهولة ، وذلك ظن الآخرين أيضا . ولأن الله سبحانه يريد أن يوضح للجميع أن لا قوة في الوجود تقاوم إرادته ، فإن إخراج اليهود من أراضيهم وديارهم بدون حرب ، هو دليل على قدرته سبحانه ، وتحد لليهود الذين ظنوا أن حصونهم مانعتهم من الله . ولذلك يضيف - استمرارا للبحث الذي ورد في الآية - قوله تعالى : فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين نعم ، إن هذا الجيش غير المرئي هو جيش الخوف الذي يرسله الله تعالى في كثير من الحروب لمساعدة المؤمنين ، وقد خيم على قلوبهم ، وسلب

--> 1 - النمل ، الآية 17 . 2 - سورة طه ، الآية 59 .